هل يوجد تضارب بين صلاحيات البلدية والسلطة المركزية في مكافحة الوباء؟

عاضدت البلديات التونسية المجهود الوطني للتوقي من وباء الكورونا من خلال تقيدها بكافة الإجراءات التي تم تحديدها على المستوى الوطني وتقمصها للمسؤولية المناطة بها. واليوم مع الإنطلاق في الإجراءات الجديدة المتعلقة بالحجر الصحي العام، فإن جزءا مما قامت به البلديات خلال الفترة الماضية لن يكون ممكنا حاليا. ولكن قد يكون تجميعه مفيدا لمرحلة ما بعد الحجر التام. والآن مالذي ينبغي للبلديات القيام به خلال الفترة القادمة؟

عودة إلى مسألة الصلاحيات

لئن تم تسجيل تجانس في أغلب الحالات بين قرارات السلطة المركزية والسلطة المحلية، فإننا شاهدنا تنافسا اتصاليا حول الصلاحيات الموكولة لكل من السلطتين. ومنذ البداية، برزت للعيان إشكالية التعارض بين رغبة السلطة المركزية في وضع برنامج إيواء للوافدين بمنطقة سياحية (دون استشارة أو مجرد إعلام السلطة المحلية) وبين احتجاج رئيس البلدية لهذا الإجراء أحادي الجانب (مرتبط أساسا بعدم اشراك البلدية في هذا القرار)

ومؤخرا أصر أعلى هرم السلطة على أنه لا مجال لأخذ قرارات من أي سلطة محلية أو جهوية دون الرجوع إلى السلطة المركزية والتنسيق معها في حين لم يتوانى بعض رؤساء البلديات في التذكير بصلاحياتهم في هذا المجال. ووصل الأمر إلى إلغاء السلطة الجهوية في حالة زغوان قرار رئيس البلدية بغلق المنطقة الصناعية

فما هي الوضعية في هذه الحالة؟

ينص الدستور على أنه (الفصل 77) لرئيس الجمهورية ” اتخاذ التدابير التي تحتمها الحالة الاستثنائية، والإعلان عنها طبق الفصل 80″. وينص هذا الفصل على أنه “لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية*“. والمتأمل في هذه الصياغة يلاحظ أنه يرجع لرئيس الدولة اتخاذ التدابير التي تحتمها الحالة الإستثنائية، غير أنه وبالرغم من تكييف الوباء كخطر داهم، فإن قرارات السلطة المركزية لم تستند إلى هاذين الفصلين، لا من حيث الشكل ولا من حيث الخطاب.

كما أن الدستور في فصله 77 يعطي لرئيس الجمهورية صلاحية ضبط السياسات العامة في مجال الأمن القومي المتعلق بحماية الدولة والتراب الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية بينما يختص رئيس الحكومة بضبط السياسة العامة للدولة (الفصل 91) والسلطة الترتيبية العامة (الفصل 94).

وتجدر الإشارة أيضا أن الأمر المنظم لوزارة الصحة العمومية (أمر 1064 لسنة 1974) ينص صراحة أنه ” في صورة ظهور بلاء خطير يهدد صحة السكان يمكن لوزارة الصحة العمومية أن تقوم مباشرة بنشاط صحي معين أو تسخر من يقوم به لمجابهة وضع يتطلب المبادرة أو لتدارك تقصير وقع من مؤسسة معينة بالاشتراك مع الوزارات أو المنظمات المعنية بالأمر”. وبالنسبة للبلديات فإن مجلة الجماعات المحلية أقرت للبلدية بالاختصاص المبدئي العام لممارسة الصلاحيات المتعلقة بالشؤون المحلية (الفصل 18).

يعني أنه للبلدية حرية التصرف في الشأن العام مالم يكن ذلك متعارضا مع القانون أو مع صلاحية مؤسسات أخرى.

من ناحية أخرى، تنص المجلة أنه من بين الصلاحيات الذاتية للبلدية (الفصل 240) :” ضمان الوقاية الصحيّة والنظافة وحماية البيئة واتخاذ التراتيب العامّة في شأنها” وكذلك ” .إنجاز الآسواق البلديّة بجميع أصنافها والمعارض والتظاهرات التجاريّة والثقافيّة والمسالخ ومراكز الاصطياف والاستراحة وتنظيم طرق التصرّف فيها ونشاطها”. كما أن رئيس البلدية مكلف بتسيير الشرطة البيئية واتخاذ التراتيب الخاصة بحفظ الصحة (الفصل 266). كما يتعرض الفصل 267 إلى التراتيب الضبطية البلدية والتي تشمل “كل ما من شأنه أن يمكن من تلافي الأوبئة”.

ومن خلال هذه القراءة، يتبين ما يلي:

أولا : الوضع الصحي العام، وخطر تفشي الوباء يبقى أمرا ذي بعد وطني يتعين اقرار الخطة العامة والإجراءات الكبرى بشأنه على المستوى المركزي

ثانيا : على البلديات أن تتقيد بالإجراءات المتخذة على المستوى الوطني والتي ترمي إلى التوقي من انتشار الوباء

ثالثا : يمكن للبلديات، في هذا الإطار، أن تتخذ إجراءات إضافية، مرتبطة بصلاحياتها، والتي تفضي إلى مزيد التوقي والحيطة دون أن تكون هذه الإجراءات في تعارض مع ما يتم اقراره على المستوى المركزي في هذا المجال.

غير أنه من الأفضل، في هذا الظرف الخصوصي، أن لا يتم التعاطي مع هذه المسألة فقط من منظور الصلاحيات. فلا القضاء بمقدوره حاليا أن ينظر في تنازع الإختصاصات بين السلط ولا الظرف يسمح بضياع وقت ثمين وموارد محدودة في تعارض للسياسات والإجراءات.

إن التنسيق التام والتشاور – في الاتجاهين – هما الكفيلين بوضع خطة دقيقة تراعي ضرورة توحيد الرؤية والسياسة العامة وإجراءاتها الكبرى من أجل أكبر قدر ممكن من النجاعة وتتكيف بأكبر قدر ممكن مع الحالات المحلية، مع الأخذ بعين الاعتبار، دقة الظرف والتي تستدعي التسريع في مسارات أخذ القرار.

و*وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويعلن عن التدابير في بيان إلى الشعب. ويجب أن تهدف هذه التدابير إلى تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال، ويُعتبر مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة. وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس نواب الشعب كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة. وبعد مضيّ ثلاثين يوما على سريان هذه التدابير، وفي كل وقت بعد ذلك، يعهد إلى المحكمة الدستورية بطلب من رئيس مجلس نواب الشعب أو ثلاثين من أعضائه البتُّ في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه. وتصرح المحكمة بقرارها علانية في أجل أقصاه خمسة عشر يوما. ويُنهى العمل بتلك التدابير بزوال أسبابها. ويوجه رئيس الجمهورية بيانا في ذلك إلى الشعب

هل يوجد تضارب بين صلاحيات البلدية والسلطة المركزية في مكافحة الوباء؟